يموت البطل، فتنتهي البطولة

بقلم: د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي بسم الله الرحمن الرحيم ليست البطولة دائماً صخباً يُصفّق له، ولا مشهداً أخيراً تُسدل عليه الستارة، بل كثيراً ما تكون عمراً كاملاً من التعب الصامت وسنوات طويلة من البناء الحجري والبشري، وسهر الليالي، ومغالبة الخوف واحتمال الخسارة، ثم الوقوف من جديد. البطل الحقيقي هو ذلك الأب الذي بدأ من الصفر، وربما من تحت الصفر، فصنع مشروعاً، أو شاد كياناً، أو أسس ثروة، لا ليقال إنه بطل، بل لأن الحياة لا تعطي إلا من يُجيد العطاء لها. يمضي هذا البطل في طريقه وحيداً في بداياته، يتلقى الضربات، ويتحمل السخرية، ويواجه الخذلان، ويقاوم الفشل مرة بعد مرة، حتى يقف في النهاية على أرض صلبة، وقد صار ما بناه واقعاً، وما حلم به أصلاً قائماً. تمر الأعوام، ويكبر المشروع كما يكبر الأبناء، ويظن البطل - بحسن نية - أن ما شيده بعرقه سيحمله من بعده من يحمل اسمه ودمه. لكن المأساة تبدأ غالباً بعد أن يُوارى البطل الثرى. يموت البطل... وتنتهي البطولة. لا لأن المشروع ضعيف، ولا لأن البناء هش، بل لأن الورثة - في كثير من الحالات المؤلمة - لا يرثون روح البطل، بل يرثون فقط الأرقام والأعيان؛ يرثون المال، ولا يرثون المعنى. يرثون الشكل، لا الجوهر. فيختلفون من أول خطوة، ويتنازعون قبل أن يتعاونوا، ويتقاسمون قبل أن يحافظوا، فيُعطّل ما كان يعمل ويُهدم ما كان قائماً، وتُستنزف الأصول في نزاعات لا تنتهي. يتفرقون شذر مذر، وكل واحد يرى نفسه الأحق والأفهم، والأجدر، فيتحول الإخوة إلى خصوم والشركاء إلى أعداء، وتتحول إنجازات الأب إلى عبء ثقيل، بدل أن تكون ميراثاً كريماً. كم من شركة أغلقت، وكم من تجارة انهارت، وكم من اسم لامع انطفأ، لا لشيء إلا لأن البطل رحل دون أن يحصن بطولته من بعده. والحقيقة القاسية التي لا بد من قولها: النية الطيبة وحدها لا تكفي، والوصية المجملة لا تحمي، وترك الأمور "على البركة" مقامرة خاسرة في زمن تعقدت فيه المصالح وتشابكت فيه النفوس. كم رأيت من مباني شاهقة عطلت، ومن مزارع كانت عامرة عادت يباباً، ومن شركات عملاقة غير أهلية أهدرت، فتذكرت البطل الذي بناها فتألمت. لهذا كان جميلاً، بل حكيماً، بل واجباً، أن تُحمى هذه البطولات قبل أن تموت، وأن يُصان هذا العرق من أن يتحول إلى رماد. جميل أن تتحول إنجازات الفرد إلى كيان مؤسسي لا يموت بموت صاحبه؛ إلى شركة مستدامة تحكمها أنظمة واضحة، وحوكمة عادلة وإدارة مهنية تفصل بين العاطفة والقرار، وبين القرابة والمصلحة العامة. وجميل - بل أسمى - أن يُجعل هذا البناء وقفاً ذُريّاً راشداً، يُحفظ فيه الأصل، وتُسبل المنافع، وتضبط الحقوق، فلا يُهدر المال، ولا تُقطع الأرحام، ولا تتحول النعمة إلى نقمة. الوقف الذري ليس حبساً للمستقبل بل حماية له، وليس حرماناً للورثة، بل صيانة لهم من أنفسهم ومن خلافاتهم. فالبطولة الحقيقية لا تنتهي عند الموت، بل تستمر إن أحسن التخطيط لها. والبطل الأذكى ليس من بنى فقط، بل من ضمن أن يبقى ما بناه بعده. أما من ترك إنجازه بلا سياج، فقد سلّمه - من حيث لا يدري - لأول معول هدم. يموت البطل... نعم، فهذه سنة الحياة. لكن البطولة لا ينبغي أن تموت معه.